يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

481

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

زاد غيره : كانت لي نفس تواقة إلى الدنيا ، فلما وليت الخلافة تاقت نفسي إلى الجنة . وكان يلبس الثوب المرقوع بعد ذلك . يروى أنه قوّمت ثيابه وهو يخطب باثني عشر درهما ، وكانت قباء وعمامة وقميصا وسراويل وبردا وخفين وقلنسوة . قلت : هكذا يكون الزهد . كما قيل لبعض الزهاد : زهدت في الدنيا ، قال : وفي أي شيء زهدت ؟ إنما الزهد عمر بن عبد العزيز ، أتته الدنيا فزهد فيها . وفي مثل هذا أنشدوا : يعف عن الدنيا إذا عن تودّد * وإن برزت في زي عذراء ناهد إذا المرء لم يزهد وقد صبغت له * معصفرها الدنيا فليس بزاهد وأنشد الحافظ رحمه اللّه قول الشاعر : والنفس راغبة إذا رغبتها * وإذا ترد إلى قليل تقنع صدق في هذا المقال ، وهو لعمري كما قال . أذكرني هذا البيت خبر بشر بن الحارث : خرّج أبو طالب مكي رحمه اللّه في القوت قال : كان بشر بن الحارث قد اعتلّ ، فسأل عبد الرحمن الطبيب عن شيء يوافقه من المأكولات ، فقال له عبد الرحمن : تسألني ، فإذا وصفت لك لم تقبل مني ، فقال له بشر : صف لي حتى أسمع ، فقال : تحتاج أن تستعمل ثلاثة أشياء ، فإن فيهن صلاح جسمك ، قال : وما هنّ ؟ قال : تشرب سكنجبينا وتمصّ سفرجلا وتأكل بعد ذلك اسفناخ ، فقال له بشر : أتعلم شيئا أقل ثمنا من السكنجبين يقوم مقامه ؟ قال : لا ، قال : فأنا أعرفه ، قال : وما هو ؟ قال : الهندبا بالخل تقوم مقامه . ثم قال : أفتعرف شيئا أقل ثمنا من السفرجل يقوم مقامه ؟ قال : لا ، قال : فأنا أعرفه ، قال : وما هو ؟ قال : الخروب الشامي في معناه . ثم قال : أتعرف شيئا أقل ثمنا من الاسفناخ يقوم مقامه ؟ قال : لا ، قال : فأنا أعرفه ، قال : وما هو ؟ قال : ماء الحمص بسمن البقر في معناه . فقال له عبد الرحمن : فأنت أعلم بالطب مني ، فلم تسألني ؟ . قلت : انظر هذا الموفق كيف استعمل زهده حتى في الدواء ، وأقل ما صنع أنه زهد في الدواء رأسا ، واللّه أعلم . هكذا أظن به كما فعل غيره وغيره . ومن الزهد أيضا ما روي أن ملك الهند أهدى إلى المنصور تحفا ، وأرسل معها بفيلسوف طبيب ، فأنزله وأحسن إليه ، ثم دعاه بعد ذلك ، فقال له الفيلسوف : جئتك يا أمير المؤمنين بثلاث خصال يتنافس الملوك فيها ، قال : وما هي ؟ قال : أخضب لحيتك بسواد لا ينصل أبدا ، وأعالجك بعلاج تتسع به في المآكل فتأكل ما شئت ومتى شئت لا يؤذيك الطعام ، وأقوّي صلبك بقوّة تنشط إلى الجماع فتجامع ما شئت لا تمل ولا